عثمان بن جني ( ابن جني )
209
الخصائص
وكذلك قول اللّه سبحانه : وَأَدْخَلْناهُ فِي رَحْمَتِنا [ الأنبياء : 75 ] هذا هو مجاز . وفيه الأوصاف الثلاثة . أمّا السعة فلأنه كأنه زاد في أسماء الجهات والمحالّ اسما والرحمة . وأما التشبيه فلأنه شبّه الرحمة - وإن لم يصح دخولها - بما يجوز دخوله فلذلك وضعها موضعه . وأمّا التوكيد فلأنه أخبر عن العرض بما يخبر به عن الجوهر . وهذا تعال بالعرض ، وتفخيم منه ؛ إذ صيّر إلى حيّز ما يشاهد ويلمس ويعاين ؛ ألا ترى إلى قول بعضهم في الترغيب في الجميل : ولو رأيتم المعروف رجلا لرأيتموه حسنا جميلا . وإنما يرغّب فيه بأن ينبّه عليه ، ويعظّم من قدره ، بأن يصوّره في النفوس على أشرف أحواله ، وأنوه صفاته . وذلك بأن تخيّل شخصا متجسما لا عرضا متوهّما . وعليه قوله : تغلغل حبّ عتمة في فؤادي * فباديه مع الخافي يسير " 1 " ( أي فباديه إلى الخافي يسير ) أي فباديه مضموما إلى خافيه يسير . وذلك أنه لمّا وصف الحبّ بالتغلغل فقد اتسع به ؛ ألا ترى أنه يجوز على هذا أن تقول : شكوت إليها حبّها المتغلغلا * فما زادها شكواي إلا تدلّلا فيصف بالمتغلغل ما ليس في أصل اللغة أن يوصف بالتغلغل إنما ذلك وصف يخص الجواهر لا الأحداث ؛ ألا ترى أن المتغلغل في الشئ لا بدّ أن يتجاوز مكانا إلى آخر . وذلك تفريغ مكان وشغل مكان . وهذه أوصاف تخصّ في الحقيقة الأعيان لا الأحداث . فهذا وجه الاتساع . وأما التشبيه فلأنه شبّه ما لا ينتقل ولا يزول بما يزول وينتقل . وأما المبالغة والتوكيد فلأنه أخرجه عن ضعف العرضية إلى قوّة الجوهرية . وعليه ( قول الآخر ) :
--> ( 1 ) البيت من الوافر ، وهو لعبيد اللّه بن عبد اللّه بن عتبة في لسان العرب ( غلل ) ، وتاج العروس ( غلل ) ، وبلا نسبة في لسان العرب ( معع ) .